الرئيسية » مقالات مختارة » سكان المقابر في القاهرة يطالبون بانهاء مأساتهم
سكان المقابر في القاهرة يطالبون بانهاء مأساتهم
سكان المقابر في القاهرة يطالبون بانهاء مأساتهم

سكان المقابر في القاهرة يطالبون بانهاء مأساتهم

يرجف جسدك أثناء مرورك من أمام المقابر فماذا لو كنت تعيش بداخلها مع أموات كادوا أن يثوروا على من يقاسمهم التراب؟

فالمكان هناك يتسع للرقود في باطنه وعلى ظهره لتستيقظ على منظر الشواهد الصماء وتنام خائفاً من اللصوص الذين يطرقون الأبواب ليلا فلا تسمع سوى صمت الموتى وصراخ أقاربهم ولا تستنشق غير رائحة العظام بعد تحللها، حتى ابتسامة الأطفال اختفت لتحل محلها هموم عميقة أكبر من أعمارهم. كل هذا من أجل دولة حكمت عليهم بالموت قبل الحياة فلم تسعهم الأحياء الراقية والشعبية أو حتى العشوائيات فزحفوا نحو الأموات لينعموا براحة البال.
وأكدت دراسة حديثة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء ان عدد سكان المقابر في القاهرة الكبرى الآن يتعدى مليونا ونصف المليون نسمة’ما بين أطفال وشباب وكبار في السن لم يجدوا سوى الأموات لكي يزاحموهم في قبورهم لأسباب ترجع الى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية”بجانب قلة دخل الفرد وعدم قدرته على توفير حياة كريمة.
وأكد تقرير المركز ان سكان المقابر يتمركزون في البساتين والإمام الشافعي والتونسي والغفير وباب الوزير والامام الليثي’وجبانات عين شمس ومدينة نصر ومصرالجديدة فبعد أن كانت المقابر مكانا للموتى فقط”أصبحت مكانا للأحياء بدرجة أموات لأنهم يعيشون حياة ليست أدمية.
الأغرب من كل هذا أنهم يتخذون الاموات كمصدر للدخل المادي من خلال عملهم في صناعة الرخام الذي يستخدم في بناء القبر كما يقوم بعضهم بالعمل على ترتيل الآيات القرأنية على القبور لقاء أجر مادي زهيد من عائلة المتوفى.

مطالبة باستقالة الوزير

وطالب الدكتور حمدي عرفة المرشح السابق لوزارة التنمية المحلية ومؤسس الحركة الشعبية لتطهير وتطوير المحليات’ اللواء عادل لبيب وزير التنمية المحلية’ بتقديم استقالته في حالة عدم الاستجابة لمطالب ساكني القبور المتعلقة بحل مشاكلهم.
وأكد ‘عرفة’ انه قام بزيارة عدد من المقابر التي حولها الاهالي منذ عقود الى مساكن، الامر الذي يتنافى مع المبادئ الدينية، وطالب عرفة مجلس الوزراء بجذب المعونات والمنح الخارجية لحل مشاكل سكان القبور لان ميزانية الدولة لا تكفي وان يتم ذلك بمساهمة رجال الأعمال المصريين.
كما ناشد ‘عرفة’ المحافظين بجميع المحافظات التقدم باستقالاتهم ان لم يتم حل مشكلة سكان القبور من خلال برنامج زمني معلن في اقرب وقت مشيرا الى ان عدد القاطنين في القبور في مصر يصل الى 4 ملايين نسمة موزعين بين الاحياء والمراكز والمدن والقرى.
وأضاف انه رأى منظرا يهاب له الوجدان حيث ان سكان القبور يدفنون احد الموتى الجدد ثم يضعون الاثاث على المدفن كالكنبة يجلسون فوقه لانهم لايجدون أي مساحة أخرى يعيشون فيها مشيرا الى ان هذا الأمر له حرمة دينية تتطلب تدخلا .
ومن جانبه أكد عاطف عبد الفتاح رئيس اللجنة الاقتصادية بالمنظمة العربية الافريقية لتطوير العشوائيات’ على ضرورة تعاون رجال الأعمال مع المنظمة وتقديم الدعم اللازم للنهوض بالمواطن الفقير مضيفا: أن المنظمة تضع في أولوياتها سكان المقابر بشكل خاص ونحن ندرس سبل توفير وحدات سكنية أو قطعة أرض لبناء مساكن بديلة لسكان المقابر.

حياة لها طابع خاص

فالحياة في المقابر لها طابع خاص فبعد غروب الشمس تختبئ السيدات والبنات داخل الأحواش خوفا من متعاطي المخدرات والمنحرفين الذين يتخذون المقابر ملجأ لهم في الليل أما الحرامية فيطرقون أبوابهم لإثارة الرعب بداخلهم .
والسعي وراء لقمة العيش كان السبب في حالة الهدوء النسبي التي سادت معظم مناطق المقابر نهارا فالرجال وأيضا النساء اللاتي يسكن بمفردهن يخرجون جميعا بحثا عن أي عمل يدر جنيهات قليلة يشترون بها أي شيء ليقتاتوا به ولو كان قطعة جبن وعدة أرغفة فكلمة’ارزقي’ تلخيص لحال من لا يجد عملا ثابتا فتارة يعمل شيالا وأخري يقف بمقهى وثالثة ينظف دكانا أو يغسل السيارات في أي كراج أما النساء القادرات على العمل فالأغلب أنهن يلجأن للخدمة في البيوت أو يبعن حزم البقدونس والشبت والجرجير.

آراء ساكني المقابر

قال يحيى ـ معهد فني صناعي اني اضطر للمساعدة بأعمال دفن الموتى ليقبل أصحاب الحوش بقائي انا وأطفالي ولا شيء يوجعني مثل سؤالهم المتكرر لي: ليه يا بابا مالناش بيت زي كل العيال وبالرغم من انني اعمل كهربائيا لكن عملي غير مضمون فربما اظل أسابيع بدون عمل.
واضاف: في الليل أرى خيالات تروح وتغدو في المكان ونسمع أصواتا تئن وتتحرك أمامنا أشياء ولكننا تعودنا عليها وفي النهاية لا يؤذينا شيء’فانا لا أخاف شيئا والحمد لله وأحفظ أجزاء من القرآن الكريم.
قال مجاهد احد سكان المقابر: الحياة هنا هادئة وسهلة، وعندي انتماء للمكان، ولا أرغب في الاختلاط بالفوضى والسيارات، لأني أتوه وسط الأحياء، والدولة هملتنا ولا ترغب في توفير شقق لنا فقمت منذ أربع سنين بتسجيل بياناتي لدى حي السيدة زينب، ولم يحدث شيء.
بينما قال ‘سامح’ أحد سكان المقابر: أعاني من أزمة مادية طاحنة سرقت النوم من عيني ولدي زوجة وطفل وعاجز عن تلبيبة احتياجاتهم وطرقت جميع الأبواب لسد حاجاتي أنا وأسرتي ولكن دون جدوى نظرا لإعاقتي بيدي اليسري التي تسببت لي بالرفض في أكثر من وظيفة وأصبحت ضمن العاطلين بالرغم من حصولي على مؤهل علمي عال. وتقول مني محمد: لدي ثلاثة أبناء أحدهم يعاني من ‘الفتاق’ والأخر مصاب بشرخ في الجمجمة ولأن زوجها ‘أرزقي’ ودخله محدود فلا يقدرعلى تحمل نفقة علاج اولاده.
واشتكت من تواجد البلطجية وكذلك عدم تواجد أي من الخدمات والمرافق من ‘مياه الصرف الصحي و الكهرباء’
‘مضيفة: توقعت أن تكون الثورة هي منقذنا من الهلاك الذي نعيش فيه لنجد أن البلطجة زادت لترعبنا اكثر وندفن أحياء مع الأموات.’
وقالت الحاجة ‘نعيمة مصطفى’: انها تعاني من قلة اهتمام المسؤولين وانها تطالب الحكومة بتوفير شقة حتى وان كانت غرفة وصالة بعيدة عن المقابر واضافت قائلة: ‘هنعيش بالتراب وهنموت في التراب’.
‘عيش ـ حرية ـ عدالة إجتماعية’ مطالب قامت من أجلها ثورة 25 يناير ولكن لم تتحقق أي من هذه المطالب فتزايدت أعداد الأحياء الذين يُدفنون في المقابر فمن يتحكم بمصير كل هؤلاء سوى الحكومة ورئيسها؟
هي محطة في حياتنا يوما ما سنهبط من قطار الحياة ونستقر بها ولكن إلى أن يحدث هذا فمن حقهم أن يعيشوا أحياء لا أن يشاركوا الراحلين مصيرهم من حقهم أن يؤجلوا النهاية ويستمتعوا بالبداية.
من حقهم أن يعرفوا الفارق بين صرخة لحظة الميلاد وبين صرخة وداع الأموات فالاثنان يملآن آذانهم طوال يومهم. فهم يوصفون بانهم أموات فوق الأرض لا يعرفون لغة الصراعات السياسية ولا يشغلون بالهم فيما يحدث في بلادهم فداخل هذه المقابر والشوارع الضيقة الصراع ينحصر فقط في البقاء على قيد الحياة والانتصار للقمة العيش.

 

منار محمد

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*