الرئيسية » مقالات مختارة » أمهات سوريا … بانتظار عيد لن يأتي
أمهات سوريا ... بانتظار عيد لن يأتي
أمهات سوريا ... بانتظار عيد لن يأتي

أمهات سوريا … بانتظار عيد لن يأتي

أمهات سوريا … بانتظار عيد لن يأتي

محمد الازن

للعام الخامس على التوالي، يمّر عيد الأم في سوريا، على أمهاتٍ مثخناتٍ بالجراح، يعشن آلام الخسارة، يستعدن ذكرى شهدائهن، أو ينتظرن خبراً أو إشارةً ما تفيد بأنّ أولادهن المفقودين لا زالوا أحياء، أو يتلقفن بلهفة أخباراً تُطَمئِنُهّنَ عن مصير أولادٍ لهن أبعدتهم عنهنّ جبهات القتال.

مشاهد أخرى، قد تصادفك في شوارع دمشق اليوم، لأمهّاتٍ أثقلهن الفقر، وقهر الحرب، منهن أمٌ عشرينيّة، اعتادت المرور على ذات المقهى، كل يوم، تحمل رضيعها، تمر على الطاولات واحدةً تلو الأخرى، تتقبل إحسان البعض، وتتجاهل تبرّم آخرين، ثم تأوي إلى مطعمٍ مجاور، تعدُّ غلّتها، وتطلب ما تيسر من طعام، يشاكسها طفلها، أثناء تناوله.

 أمٌ أخرى، حامل، تتأبط ذراع ولد، وتحمل الآخر على يدها، تمضي في طريق التسوّل ذاته، هيئتها غير المرتبّة خلافاً للأم الأولى، تشجّع أحد المارّة على التطاول عليها، ونهرها بقوّة، يصرخ بوجهها: “طالما مو قدرانة تطعميهم، ليش لسّا عم تخلفي بهالولاد؟”،  يطيّبُ آخر خاطرها، يعطيها مالاً، ويمضي.

عيد الأم في سوريا ما زال يحتفظ بقدسيته لدى السوريين، قدسيةٌ جامعةُ بمعانيها، تتجاوز ما فرقته السياسة، والأديان بين أبناء البلد الواحد.

 من “بوابة الصالحية” إلى “شارع الحمراء”، مروراً بـ “الشعلان”، ووصولاً إلى مسافةٍ أبعد لسوق “القصّاع”؛ زيّن التجّار واجهات محالّهم بما يغري الأبناء، بشراء هدايا لـ “ست الحبايب”، من خلال عرض تشكيلة واسعة من “الجلاليب، وقمصان النوم والشالات، والأزياء النسائية الوقورة”.

 ما استطلعناه من آراء التجّار حول حركة البيع؛ لا يختلف كثيراً عن الحال بأعيادٍ أخرى مرتّ على السوريين الذين اعتادوا التعايش مع يوميات الحرب مؤخراً، هذا ما أكدّه “أبو حازم” لـ CNN بالعربية، قائلاً: “المبيعات جيّدة، رغم الضائقة الاقتصادية”، كلام يؤيده ازدحام الزبائن في محلّه، الذي تميز بحملة تنزيلات خاصّة بهذه المناسبة.

تنهمك سيدّة باختيار هديتين مناسبتين لوالدتها، وحماتها، وتواصل فتاة أخرى حملة المشاورات، مع  إخوتها عبر الهاتف، حول  الهدية التي ستختارها لوالدتهم، الوصف الهاتفي لم يُجدِ معهم نفعاً، فلتجأ لتصوير الخيارات المتاحة، وإرسالها عبر “الواتس آب.”

نعود من جولتنا على الأسواق، لنصادف أمّاً أخرى، تفترش الأرض عند زاوية مشفى للتوليد، مع طفلتيها التوأم، أمام “بسطةٍ من العلكة، وبكلات الشعر”، تتوقف سيدة أخرى تلاطف الصغيرتين، وتبتسم بوجه الأم، قائلةً: “ما شا الله كبرانين”، نسألها عمّا إذا كانت تعرفها من قبل، تقول السيّدة: “أي الله يعينها، صرلها سنتين تقريباً قاعدة بنفس المحل، وبشوفها دائماً مع هالبنتين الصغار، نازحة، هالحرب شردّت كتير عالم، شو طالع بالإيد.”

انتظار هذه الأم الذي طال مع طفلتيها في المكان ذاته، ربما يوزايه انتظارٌ من نوعٍ آخر، في مشهدٍ يومي، تزدحم فيه ضمن صالة الانتظار بأحد مشافي الإخصاب الشهيرة بدمشق، سيّداتٌ حالماتٌ بالأمومة، لم تثنهن بشاعة الحرب، عن حلمهن.

الانتظار أيضاً سيد الموقف، في “دار السعادة” لرعاية المسنيّن بدمشق، انتظارٌ لأمهّاتٍ تتدفق الحياة في عروقهن لمجرد سماع، صوت أحد أولادهن الغائبين، عبر الهاتف، أو مواقع التواصل الاجتماعي، بعضهن تعلّمن استخدام تلك المواقع مؤخراً، بحكم الضرورة، وبمساعدةٍ من مشرفي الدار.

 معظم السيدات اللواتي انتقلن للإقامة بهذا المكان، ممن لازال لديهم مدخرات تعينهم على شيخوخة مريحة، أو هناك مَن يتكفّل بنفقات، إقامتهن، (أولادٌ خارج البلاد، أو أقارب)، ولكن تلك النفقات، لا تشكّل سوى”7 في المائة من مصاريف رعايتهن شهرياً، بينما توفر باقي المصاريف؛ الجمعية الخيرية المشرفة على الدار، بحسب ما توضح لميس الحفّار (نائبة رئيس مجلس الإدارة)، وشهيرة مراد (أمينة السر) لـ CNN بالعربية، وذلك إلى جانب” تغطية تكاليف إقامة ما نسبته 25 في المائة من نزلاء الدار مجّاناً، ويبلغ إجمالي عدد النزلاء: 125 نزيلاً، بينهم 90 سيدّة، وبذلك تبلغ نسبة إشغال الغرف المتوفرّة حدّها الأقصى”.

 تتدخل المديرة ميساء شهباني لتقول لنا إن: “الإقبال زادَ كثيراً على الإقامة بـدار السعادة بعد الحرب، فهناك الكثير من الأمهّات ممن سافر أولادهن، ولا تتوفر لديهم القدرة على اللحاق بهم، ما شكّل ضغطاً كبيراً علينا، وهناك أشخاص كثر على قائمة انتظارٍ طويلة.”

تنوّه مراد، إلى أنّ التعامل مع المسنيّن في الدار: “يزداد صعوبةً، بسبب انعكاسات الحرب على أوضاعهم النفسية، وهذا المزاج حال مؤخراً دون إقامتنا لحفلاتٍ خاصّة بعيد الأم كنّا نقيمها سابقاً بصورةٍ سنويّة، حيث نكتفي بتوزيع الهدايا عليهن بهذه المناسبة.”

ننهي زيارتنا القصيرة لـ “دار السعادة”، بجولة في أروقتها، نتبادل فيها الابتسامات، مع روّاد الدار، رتابةٌ تسيطرُ على صالون الجلوس، يحاول خلالها رجل سبيعيني، ملاحقة  أخبار يوميّات الحرب متنقلاً بين محطّة وأخرى… خطواتٌ متعثرة لسيدّة مسنّة تبذل جهوداً كبيرة لضبط إيقاع مشيتها، دون الاستعانة بـ “الووكر”، بينما تسند سيّدةُ أخرى ظهرها على كرسيّها المتحرك، وكأنّها تمارس طقس انتظارٍ يومي، ربما سيطول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تفاصيل نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*